نظرة في كتاب “هكذا ظهر جيل صلاح الدين”

Generation Book Cover
 
يسلط الكتاب الضوء على جوانب متعددة في الزمن الذي سبق ظهور جيل نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي و الزمن الذي ظهر فيه والذي يليه.

 
يتميز الكتاب بنظرة شاملة على هذه الحقبة والتي قلما تجدها في كتب التاريخ، ومذيلة بفوائد واستنباطات من استنتاجات المؤلف في هذا البحث.

سوف أستعرض الكتاب بشكل مختصر، ثم أبين الجانب الذي أنتقده فيه.

 
//
 

إن الأسلوب الذي يتم الاستشهاد به في كتب تاريخ الحملات الصليبية وفتح صلاح الدين الأيوبي للمسجد الأقصى يبدأ باستعراض الحملات الصليبية والمجازر التي صاحبتها، ثم تقفز بعد ذلك مدة من الزمن لتبدأ بذكر حركة الفتح التي قادها نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي من بعده والتي انتهت بالتمكين من بيت المقدس، دون مرور عميق للفترة بين هذه وتلك، و كأن ما تحتاجه الأمة -مع التأخر من الداخل- هو قائد مسلم يمضي بالأمة إلى النصر المبين. وهذا الفهم يوجه إلى العمل الفردي و يحول دون المسؤولية الجماعية والعمل الجماعي، و ينمي في النفوس روح الفردية والارتجال والانفراد بالتخطيط. ويصرف النظر بعيداً عن العوامل الحقيقية التي تنخر في الأمة من الداخل (فالأمة الضعيفة من الداخل يستحيل أن تتغلب على الخطر من الخارج).

 

المقدمة السابقة هي الفكرة الأساسية التي يريد المؤلف تسليط الضوء عليها في الكتاب (النصر الذي ظفر به صلاح الدين، لم يكن نتاج عمل صلاح الدين الأيوبي وحده). وبدأ بذكر الحقبة التي سبقت جيل صلاح الدين وما كان يشوبها من انقسام وصراع فكري و مذهبي، ومن ثم عرج على تحديات القتل والتخريب التي أفرزها الفكر الباطني. ثم انتقل بعد ذلك المؤلف بالتفصيل في ذكر مظاهر الفساد في جوانب الحياة المختلفة في تلك الحقبة أدت إلى ضعف العالم الإسلامي آنذاك أمام الهجمات الصليبية.

 

ثم شرع المؤلف في ذكر دور مدارس التجديد والإصلاح، كمدرسة أبي حامد الغزالي -والتي أسهب فيها كثيراً-، ومدرسة عبد القادر الجيلاني وغيرها من المدارس. وبدأ بالحديث عن دولة جيل نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي من بعده، وأبرز السمات التي ظهرت على مختلف جوانب حياة تلك الحقبة “و أن التغيير المثمر يحدث حين يبدأ القوم بقسطهم من تغيير ما بأنفسهم”، و انتهاءً بفتح ذاك الجيل للمسجد الأقصى.

 

ففي معرض حديثه عن ميادين الإصلاح عند الغزالي، يقول المؤلف:

أولاً: العمل على إيجاد جيل جديد من العلماء والمربين:
رأينا فيما مر كيف رد الغزالي أصل العلل في المجتمع الإسلامي إلى فقدان العلماء والمربين الذين يعملون للآخرة لا للدنيا. لذلك كانت الخطوة الأولى في التغيير والإصلاح هي استشعار الحاجة الشديدة لهذا النوع من العلماء، وتحديد المؤسسات والمناهج والأساليب والوسائل والشروط اللازمة لتخريجهم.

و في أواخر الكتاب في معرض حديثه عن ازدهار الحياة الاقتصادية في دولة نور الدين زنكي وصلاح الدين وإقامة المنشآت والمرافق العامة، يقول المؤلف:

شملت الرعاية والعناية جميع نواحي البلاد من المدن والقرى، وجميع ميادين الحياة فيها … فقد بنى نور الدين في دمشق مستشفى وصفه ابن كثير بأنه “لم يبنَ في الشام مثله قبله ولا بعده”. ووقف أوقافاً على ذوي الحاجات والفقراء والمساكين والأرامل وما أشبه ذلك. ووقف على من يعلم اليتامى وجعل لهم نفقة وكسوة.
كذلك بنى الخانات والفنادق الكثيرة في الطرقات والأبراج ورتّب الخفراء في الأماكن المخوفة، وجعل فيها الحمام الزاجل.

ثم ختم المؤلف بقوانين تاريخية وتطبيقات معاصرة على البحث الذي قدمه في الكتاب.

 
فيقول في معرض حديثه عن ضرر دوران المجتمع في فلك الأشياء دون الأفكار والمبادئ والقيم والعقيدة، وانغماسهم في الترف والاستهلاك وتمزق شبكة العلاقات الاجتماعية وانشغال الناس بأشيائهم وحاجاتهم اليومية:

لهذا أشفق الرسول صلى الله عليه وسلم على الأمة الإسلامية من هذا المصير فقال: ((فوالله ما الفقر أخشى عليكم. ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم)) رواه مسلم.

ويقول:

وثاني عناصر النظام والترتيب في الدعوة، أن يقترن المظهر الديني للعبادة مع المظهر الاجتماعي، والحذر من الفصل بين المظهرين … وأن يكون محور المظهر الاحتماعي هو العدل والحرية والمساواة والشورى.

ويقول في تواضع المنتصر ورحمته:

[ولقد نهى الله] الفئة المؤمنة التي انتصرت في بدر من تقليد البطر القرشي حين خرج على رأسه أبو جهل وهو ينادي: والله لا نرجع حتى نرد بدراً ونقيم ثلاثاً نشرب الخمر وتغنينا القيان والمعازف، تسمع بنا العرب وبمسيرنا فلا يزالون يهابوننا أبداً.
((ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط، وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب))

ونهى المسلمين ألا يتصاعد بهم البطر ويطلقوا شعارات التشفي وعبارات الفخر وأفعال الانتقام عند الدخول منتصرين فاتحين، وأبدلهم بذلك استغفاراً من رؤية حظوظ النفس وأن يحمدوا الله [وحده وأن ينسبوا النصر إليه وحده].
((إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا))

وهذا ما تأوله رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدخل مكة حانياً رأسه … حتى إذا التقى بجموع قريش المهزومة الذليلة قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
وهو كذلك ما استلهمه عمر بن الخطاب وهو يقدم إلى الشام – بعد فتحها-، ويدخل القدس ماشياً وخادمهُ راكب.
وهذا أيضاً ما اقتدى به صلاح الدين وهو يسترجع القدس ممن خاضت ركب خيولهم في ساحات الأقصى بدماء المصلين والعلماء وطلبة العلم والعباد.

 
//
 
أنتقد الكتاب في جانب إسهاب المؤلف في عرض دور أبي حامد الغزالي -رحمه الله- إذ يوحي للقارئ أن له الدور الأهم فيما نتج في جيل صلاح الدين و هو ما يخالف الفكرة التي بنى عليها البحث والمتمثلة في “هل كان صلاح الدين ظاهرة فردية، وشخصية عبقرية معجزة برزت فجأة على مسرح الأحداث طاهرة مطهرة من عوامل الضعف البشري…؟”

 

ختاماً، المؤَلف من الكتب القليلة التي تعطيك بعداً عميقاً وفكرة جديدة شمولية لتاريخ صلاح الدين، والأهم من ذلك ربطه بمختلف جوانب المجتمع وحياتك المعاصرة.

نظرة على كتاب Outliers

Outliers

“كانت قراءتي للطبعة الإنجليزية من الكتاب”

 

يتحدث Malcolm Gladwell عن ظواهر خارجة عن العادة و شخصيات استثنائية، والأسباب المحيطة التي جعلت كل من هذه الظواهر وهذه الشخصيات تتميز عن غيرها.

تبدأ مقدمة الكتاب بالحديث عن ظاهرة قلة الأمراض الناتجة عن الضغط و التوتر و القلق في مدينة روسيتو “Roseto” بولاية بنسيلفينيا “Pennsylvania” وكيف كان يظن الباحثون أن النظام الغذائي لسكان المدينة هو السبب في ذلك، إلا أن أحد الأطباء الباحثين -وبعد مدة طويلة من عيشه مع سكان المدينة- اكتشف دور الارتباط الاجتماعي و حسن العلاقات العائلية و تأثيرها الكبير على صحة السكان و بروز هذه المدينة عن غيرها.

 
ثم تحدث بعد ذلك في الفصل الأول عن التعليم، وكيف تؤثر عملية القبول في النظام التعليمي الحالي على نسبة الطلاب المتوقع تميزهم خلال العام، وربط علاقة تميز الطلاب المتوقع خلال نشاطات السنة الدراسية وتعليمها بتاريخ ولادتهم. وكيف يمكن أن يؤثر التعديل في عملية القبول في النظام التعليمي على فرصة زيادة الطلاب المتوقع تميزهم خلال العام الدراسي.

 
في الفصل الثاني تحدث عن مبدأ 10,000 ساعة عمل “10,000-Hour Rule”، وينص المبدأ -حسب كلام الكاتب- إلى أنه حتى تصبح خبيراً في أمر ما، عليك أن تمارسه وتعمل فيه ما لا يقل عن 10,000 ساعة عمل. ثم ذكر بعض الامثلة لأشخاص مميزين و التي تعزز بدورها هذا المبدأ، مثل: المؤسس الشريك لشركة Sun Microsystems؛ Bill Joy، ومؤسس شركة Microsoft؛ Bill Gates، وأخيراً فرقة The Beatles الغنائية.

 
في الفصول، الثالث والرابع والخامس، كان الحديث عن الأذكياء والموهوبين، وكيف أنه يوجد الكثير من الأذكياء الذين لم يكتشفوا ولم تستغل مواهبهم وذلك لسببين: الأول، أنهم عاشوا في وقت لم تكن الفرصة ملائمة وقتها لظهورهم. والثاني -وهو الأهم في نظري-، أن الأذكياء الموهوبين المعروفين في العالم، وإن كانوا أقل ذكاء -نظريا- عن الأذكياء الذين لم يكتشفوا، تميزوا بالإضافة إلى مواهبهم و ذكائهم بوجود القدرة الإبداعية لديهم في إيجاد الحلول في الحياة العملية إضافة إلى مهارات التواصل الاجتماعي لديهم وتكوين العلاقات. فحسب دراسة الكاتب أن الذكاء في الإنسان يصل إلى درجة لا تكون للزيادة فيه تأثيراً ملحوظاً كالزيادة في مهارات أخرى، كالمهارات الاجتماعية و التواصل مع الناس وإيصال الفكرة، ومن الأمثلة على ذلك -ولا أذكر إن كان مذكوراً في الكتاب أم لا- هو لاعب كرة السلة الذي يتميز بمهارة تصويب عالية نحو السلة، فلو كان لا يبرع إلا في هذه المهارة وحدها، فإن استمراره في تدريب نفسه على مهارة التصويب سيكون له أثر قليل على تميزه كلاعب مقارنة فيما لو درب نفسه على مهارات أخرى مهمة كمهارة التمرير و المناورة. وأن أبرز لاعبي كرة السلة كانت لهم مهارة يتميزون فيها عن غيرهم بالإضافة إلى إتقانهم مهارات أخرى أساسية لأي رياضي في هذه اللعبة.

,,,
 
الكتاب مقسم إلى جزئين. الحديث السابق كان يتكلم عن الجزء الأول و الذي كان بعنوان “الفرصة Opportunity”. والجزء الثاني يتحدث في موضوع “الموروث Legacy”.

وفي الفصل الأخير “A Jamaican Story”، يبين الكاتب كيف يمكن لحدث صغير في الماضي أن يصنع ويؤثر على أحداث كثيرة وكبيرة جداً في الحاضر والمستقبل!.

 
——–

بالنسبة لي، كان الحديث في الجزء الثاني من الكتاب مليئا بالإسهاب والذي يدور في أغلب الأحيان على مواضيع تم التطرق لها من قبل في الجزء الأول. و كان الحديث في الفصل الأول أكثر متعة وإثارة منه في الفصل الثاني، مع أنه كتاب قيم في نظري ويفتح لك زوايا لم تكن لتلتفت لها لو لم تقرأه.

 
الخلاصة/
أتمنى أن يعجبك الكتاب والملخص الذي كتبته عنه وأن تجد فيهما ما يثريك، إلا أني أحب أن أنبهك إلى أن بعض النقاد عاب على الكاتب طريقته في الدراسة الإحصائية وأسلوبه المتبع في اختيار البيانات والتي، حسب قولهم، كانت صغيرة ولا تمثل شريحة المجتمع الكبيرة. (رابط صفحة وكيبيديا للاطلاع أكثر على النقد الموجه للكتاب)

وفي الختام، أتمنى لك قراءة ممتعة 🙂

“ما زاغ البصر و ما طغى”..

Makkah


لفت نظري ابن القيم في كتابه “مدارج السالكين” إلى معنى لم ألتفت إليه قبل، كتبت عنه في تويتر في رمضان، و أحببت أن أشارككم إياه هنا، فالمعنى جميل ..

قال رحمه الله في الحديث عن قوله تعالى (ما زاغ البصر و ما طغى) :

” إن هذا وصفٌ لأدبه صلى الله عليه و سلم في هذا المقام، إذ لم يلتفت جانباً و لا تجاوز ما رآه، و هذا كمال الأدب. و الإخلال به، أن يلتفت الناظر عن يمينه و عن شماله، أو يتطلع أمام المنظور..
فالالتفات زيغ، و التطلع أمام المنظور طغيان و مجاوزة. فكمال إقبال الناظر إلى المنظور أن لا يصرف بصره عنه يمنة ولا يسرة ولا يتجاوزه…”


” … وهذا غاية الكمال و الأدب مع الله، الذي لا يلحقه فيه سواه. فإن عادة النفوس إذا أقيمت في مقام عال رفيع، أن تتطلع إلى ما هو أعلى منه و فوقه.

ألا ترى أن موسى – صلى الله عليه و سلم – لما أقيم في مقام التكليم و المناجاة، طلبت نفسه الرؤية. و نبينا صلى الله عليه و سلم لما أقيم ذلك المقام وفاه حقه، فلم يلتفت بصره و لا قلبه إلى غير ما أقيم فيه ألبته..”

تغير شعوري كثيراً عند قراءتي للآيات، إحساس حب للرسول صلى الله عليه و سلم و تعظيمٍ لخلقه،

دفعني إلى شوقٍ لمعرفة المزيد عن سيرته و أدبه مع الرب تبارك و تعالى، و تعلم أخلاقه صلى الله عليه و سلم مع المؤمنين و مع أهل الكتاب و المشركين..


صراحة، أعجبني كثيراً الاستنباط و الفهم في معنى هذه الآية من كلام ابن القيم..

شكراً راندي..

The Last Lecture book

من الكتب التي ألهمتني كثيراً في السنتين الماضيتين من حياتي كتاب The Last Lecture لـ  Randy Pausch . حدثتني أختي عن قصة الكتاب عندما شاهدته بحوزتها أول مرة، و عندها نصحتني بشراء نسخة لي كذلك :). و لمعرفتي بذوق أختي في الكتب، اشتريته رغم أني لم أتحمس كثيراً لاقتنائه في بادئ الأمر.

قرأت أولى صفحات الكتاب فشدتني كلماته كثيراً، مما دفعني نحو إكمال قصة حياته التي ابتدأها. في الواقع، لا أحب أن أحرق عليكم متعة قراءته بالكلام عنه هنا، و إنما الشي الذي أتعجب منه حقاً هو كلمات راندي و أسلوبه الواثق الراضي بما حصل له، حقيقةً تبعث الروح و الهمة في النفس و الصبر؛ لكل إنسان أصابته محنة أو مصيبة…

تعجبني طريقة حديث راندي و روحه المرحة، حتى و هو في آخر لحظات حياته!. أحسست بقراءتي له بقيمة الحياة و قصرها و بعظم العطاء و أنه يمد إلى عمر الإنسان عمراً آخر. فـ مشروع Alice الذي أشرف عليه كأستاذ في جامعة Carnegie Mellon لا يزال قائماً إلى الآن و طلابه هم من يشرفون عليه ” Alice Project “. لست هنا لأمجد راندي؛ وإنما الحديث عن إنجازاته و مواقفه و الصعاب التي تعرض لها في حياته.. تدفع إلى قوة العزيمة و علو الهمة و الإصرار في العمل نحو تحقيق الغاية من حياتنا..

هذه مقولة أعجبتني كثيراً (نقلتها من الأخت nouf90 في تويتر):

“The most beautiful people we have known are those who have known defeat, known suffering, known struggle, known loss, and have found their way out of the depths. These persons have an appreciation, a sensitivity, and an understanding of life that fills them with compassion, gentleness, and a deep loving concern. Beautiful people do not just happen.” — Elizabeth Kubler Ross

شكراً راندي.

———-

أنصحكم بعد قراءة الكتاب مشاهدة المحاضرة كاملة من هنا.